السيد كمال الحيدري
123
دروس في التوحيد
العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي ، ممّا يعدّ أروع منتوج للتفكير الفلسفي ، وأبدع منسوج للعقل البشري ، وإن كان حقيقة المقصود أرفع ممّا يحلّق إليه طائر الذهن الإنساني ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلّا بما شاء " « 1 » . البرهان على علم الواجب بالأشياء قبل الإيجاد يبتني هذا البرهان على مقدّمتين : المقدّمة الأولى : الواجب تعالى بسيط وقد تقدّم الكلام حول هذه المسألة وتبيّن أنّ الواجب تعالى بسيط صرف غير مركّب بأيّ نحو من أنحاء التركيب ، لا يخالطه نقص ولا عدم ، فما من كمال وجوديّ إلّا وهو واجد له بنحو أعلى وأشرف . المقدّمة الثانية : بسيط الحقيقة كلّ الأشياء . تعود هذه القاعدة الفلسفية وهي بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وليس بشيء منها ، إلى صدر الدين الشيرازي ، حيث برهن على إثباتها خلال بحوثه الفلسفية ، وأكّدها في مواضع متعدّدة من كتابه الأسفار ، حتى بلغ من اعتزازه بالقاعدة ، أن قال فيها نصّاً : " إن كلّ بسيط الحقيقة يجب أن يكون جميع الأشياء بالفعل ، وهذا مطلب شريف لم أجد في وجه الأرض من له علم بذلك " « 2 » . ينطلق الشيرازي في إثبات القاعدة من نفي التركيب ، فكلّ هويّة صحّ أن يُسلب عنها شيء فهي متحصّلة من إيجاب وسلب ، وكلّ ما كان كذلك فهو مركّب من إيجاب وسلب . وبعكس النقيض : فإنّ كلّ ذات بسيطة الحقيقة لا يُسلب عنها شيء ، وقد ثبت أنّ الله بسيط الحقيقة ، إذن بسيط الحقيقة كلّ الأشياء .
--> ( 1 ) تعليقة الشيخ مصباح اليزدي على نهاية الحكمة ، تعليقة رقم 431 : ص 443 . ( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ج 3 ، ص 40 .